أبي حيان التوحيدي
17
المقابسات
أسلوبه ومنهجه مضى لنا القول فيما امتاز به أبو حيان من الاضطلاع بصنوف العلوم وأنواع المعارف ، وألوان الآداب ، وكان من خصائصه اجتذاء الجاحظ في التفنن في كل شئ ، مطبوعا على ذلك إلى الحد الأقصى ، غير أنه أولع بوضع الأحاديث والأسمار ، ووقائع التاريخ في الصورة الروائية ، فلا يكتفى بايراد الحادث على ما عرف وتناقله الرواة ، بل يعرض له ويرسل عليه صيّبا مدرارا من فائض بلاغته ، وزاخر بيانه ، فإذا هو قصة ذات وقائع وأشخاص وأبطال ، تروع إذا مثلت ، وتروق إذا قرئت ، وتملك المشاعر والقلوب إذا سمعت . ومع ما يدخله عليها من أصباغ ، وما يطليها به من ألوان ، فهو لا يعدو في النتيجة أن يمثل الحقيقة في أصدق مظاهرها ، فهو الكاتب القصصى الماهر الذي اهدته الينا الاعصار الأول . وله طبع دافق ، وفكر سابق ، وعقل فياض بالحكمة وفصل الخطاب . ومن أخص مزاياه أنه يمزج الأدب بالحكمة ، والتصوف بالفلسفة ، ويولد من بين هذا المزيج مذهبا خاصا له لم يسبق إليه ، فأنت لا تستطيع أن تنسبه إلى فرقة بعينها من الفرق الاسلامية ، ولا إلى مذهب معروف من مذاهب الدين ، وإن كان ينتحل مذهب الشافعية ، أو ينحله الناس إياه ، ويميل إلى عقائد المعتزلة وأصولهم . وسنعرض عليك فيما بعد طائفة صالحة من آثاره القلمية التي عثرنا عليها في شتى المراجع . عادت هام في حياته ويظهر انه أنف في أواخر عمره فأحرق ما كان لديه من مصنفاته ، وأباد ما اعتده من مؤلفاته ، وقد أبان علة ذلك في رسالة كتبها إلى القاضي أبى سهل علي بن محمد - تراها فيما بعد . قال السيوطي : ولعل النسخ الموجودة الآن من تصانيفه كتبت عنه في حياته وخرجت منه قبل حرقها .